٠٨‏/١٠‏/٢٠٢٦، ٨:٥٨ ص

طوفان الأقصى وبداية التآكل الاستراتيجي للكيان الصهيوني

طوفان الأقصى وبداية التآكل الاستراتيجي للكيان الصهيوني

بعد ثلاث سنوات على عملية طوفان الأقصى، لا يمكن اختصار أهمية هذه العملية في أبعادها العسكرية فقط. فقد كان 7 أكتوبر نقطة غيّرت مجموعة من المعادلات الأمنية والسياسية والإعلامية في غرب آسيا.

وكالة مهر للأنباء، قسم الشؤون الدولية: بعد ثلاث سنوات على عملية طوفان الأقصى، لا يمكن اختصار أهمية هذه العملية في أبعادها العسكرية فقط. فقد كان 7 أكتوبر 2023 نقطة غيّرت مجموعة من المعادلات الأمنية والسياسية والإعلامية في غرب آسيا. وجاءت هذه العملية في ظروف كانت فيها قضية فلسطين، بعد سنوات من حصار غزة واحتلال الأراضي الفلسطينية وتوسيع الاستيطان وتصعيد الضغط على الفلسطينيين، تتجه إلى الابتعاد عن أولويات السياسة الإقليمية والدولية. كما أن مسار تطبيع العلاقات بين بعض الدول العربية والكيان الصهيوني عزز التصور بأن قضية فلسطين يمكن أن تُهمّش دون حل جذري. وقد أوقفت طوفان الأقصى هذا المسار وأعادت فلسطين إلى مركز تحولات غرب آسيا.

وجاءت الضربة الأولى في صورة كيان الاحتلال الأمنية. فقد بنت تل أبيب على مدى سنوات جزءاً مهماً من قوتها على مزيج من التفوق الاستخباراتي والتكنولوجي والجدار الفاصل وأنظمة المراقبة والقدرة العسكرية، وقدّمت هذا المزيج كضامن لأمن المستوطنات وسكان الأراضي المحتلة. لكن 7 أكتوبر أظهر أن حتى هذه الشبكة الواسعة لا تستطيع خلق أمن مطلق. والأهم أن تقارير وتحقيقات إسرائيلية أظهرت لاحقاً ضعفاً جدياً في أداء البنية الأمنية والعسكرية. وبالتالي، لم تكن المسألة مجرد تسلل قوات فلسطينية إلى مناطق تحت سيطرة الكيان؛ بل ضربة لثقة الجمهور بقدرة الحكومة على تأمين الأمن.

وكان رد تل أبيب على هذا الفشل حرباً واسعة على غزة. أعلنت إسرائيل أهدافاً كبيرة مثل تدمير حماس وإعادة الأسرى وخلق واقع أمني جديد. لكن المشكلة الرئيسية كانت منذ البداية الفجوة بين الأهداف المعلنة وإمكانية تحقيقها. فقد تمكنت الحرب الواسعة والمدمرة من إلحاق خسائر ثقيلة بغزة، لكنها لم تقضِ على قضية فلسطين السياسية. ولم تُستبعد حماس من معادلة فلسطين، ولا يزال مستقبل غزة وطريقة الحكم ومسألة نزع سلاح جماعات المقاومة وحتى شكل علاقة الكيان بهذه المنطقة تواجه أسئلة جدية.

وهنا تحديداً يفترق مفهوم "النصر العسكري" عن "النصر الاستراتيجي". فقد يدمر جيش جزءاً كبيراً من بنى الطرف المقابل، لكن إذا لم يتمكن من تشكيل الظروف السياسية بعد الحرب وفق أهدافه، فإن النصر العسكري لا يتحول بالضرورة إلى نصر استراتيجي. وقد أبرزت تجربة غزة هذا التناقض تحديداً. فقد تمكنت إسرائيل من استخدام مستوى هائل من قوتها العسكرية، لكنها لا تزال تواجه مسألة كانت موجودة قبل الحرب أيضاً: كيف يمكن حل قضية فلسطين بالأدوات العسكرية وحدها؟

وهذا النمط قابل للملاحظة في جبهة لبنان أيضاً. فقد وجّه الكيان ضربات قاسية لحزب الله، لكنها لم تتمكن من استبعاد هذه الحركة من المعادلات السياسية والأمنية في لبنان. كما أظهر عودة الاشتباكات في عام 2026 أن مجرد إلحاق أضرار كبيرة بفاعل عسكري لا يعني بالضرورة انتهاء التهديد أو تغير الموازين بشكل دائم. وفي حالة إيران أيضاً، لم تتمكن الهجمات المباشرة الإسرائيلية والأميركية من استبعاد طهران من المعادلات الإقليمية. بل على العكس، أبرز التقابل المباشر أهمية القدرة الصاروخية والعمق الاستراتيجي والقدرة الإقليمية لإيران في الحسابات الأمنية في غرب آسيا أكثر من أي وقت مضى.

ومن هذا المنظور، يمكن الحديث عن حلقة: دخلت إسرائيل الحرب بعد 7 أكتوبر لاستعادة الردع؛ واتسعت الحرب؛ لكن كلما اتسع نطاق الصراع، ارتفعت أيضاً التكاليف العسكرية والاقتصادية والسياسية والدبلوماسية، وفي المقابل بقيت الأهداف الرئيسية تواجه عقبات جدية. وبعبارة أخرى، أدى السعي لتعويض فشل أمني إلى سلسلة من الأزمات الجديدة.

ومن أهم تداعيات هذا المسار عودة قضية فلسطين إلى مركز الرأي العام العالمي. فقد أدت الصور والتقارير المتعلقة بأوضاع غزة، والاحتجاجات الواسعة في دول مختلفة، وتصاعد الضغوط السياسية على إسرائيل، إلى تحول قضية كانت قبل 7 أكتوبر قد تأثرت في كثير من المعادلات الإقليمية بمسار التطبيع، إلى أحد الموضوعات الرئيسية في السياسة الدولية مرة أخرى. وقد أظهر تحرك عدد من الدول نحو الاعتراف بفلسطين واتساع الخلاف بين الكيان وبعض حلفائه الغربيين أن التكلفة الدبلوماسية للحرب على تل أبيب آخذة في الارتفاع أيضاً.

وفي داخل الكيان الصهيوني أيضاً ظهرت آثار هذا التآكل. فقد أدى الفشل الأمني في 7 أكتوبر إلى تصعيد الخلاف حول المسؤولية عنه، ووضع أداء بنيامين نتنياهو والبنية السياسية الحاكمة تحت الانتقاد أكثر من أي وقت مضى. كما كشفت مسألة الأسرى، واستمرار الحرب أو إيقافها، ومستقبل غزة، والتكاليف الاقتصادية للصراع، والخلافات الاجتماعية والسياسية، عن شقوق كانت موجودة سابقاً، لكنها تعمقت بعد الحرب. وهكذا، بينما كانت إسرائيل تحاول إعادة بناء صورة قوتها وتماسكها، واجهت في الوقت نفسه أزمة ثقة داخلية وضغوطاً سياسية متزايدة.

وحتى على المستوى الإقليمي تغيرت الصورة. فقبل 7 أكتوبر، كان مسار تطبيع العلاقات بين الكيان وبعض الدول العربية يمكن أن يخلق تصوراً بأن قضية فلسطين لم تعد العائق الرئيسي أمام تشكيل نظام إقليمي جديد. لكن حرب غزة، ثم اتساع الصراع إلى لبنان وسوريا ونقاط أخرى، جعل هذا المسار أكثر تعقيداً. فقد تحولت قضية فلسطين مرة أخرى إلى أحد المعايير المهمة للرأي العام العربي في تقييم سياسات الكيان الصهيوني، ورفعت التكلفة السياسية للتقرب من تل أبيب.

وبالتالي، بعد ثلاث سنوات على طوفان الأقصى، ربما لا يكون السؤال الأهم هو مقدار الخسائر التي ألحقتها إسرائيل في مختلف ميادين الحرب؛ بل السؤال الأهم هو: هل تمكنت من تحقيق أهدافها السياسية؟ والإجابة عن هذا السؤال سلبية.

كانت طوفان الأقصى نقطة تحول، لأنها أظهرت أن قضية فلسطين لا يمكن حلها بطرحها جانباً من المعادلات الإقليمية. فقد دخل الكيان حرباً واسعة لاستعادة الردع، لكن هذه الحرب لم تحذف قضية فلسطين فحسب، بل أعادتها إلى مركز اهتمام العالم، وزادت التكاليف السياسية والدبلوماسية لإسرائيل، وأظهرت شقوقها الداخلية بشكل أوضح، وجرّت نطاق المواجهة إلى جبهات متعددة.

وبعد ثلاث سنوات، يمكن الحديث عن "حلقة فشل"؛ حلقة يُرد فيها على فشل أمني بحرب، فتنتهي الحرب إلى تآكل، ويخلق التآكل أزمات جديدة. وربما يكون هذا أهم إرث لـ7 أكتوبر: لقد أظهرت إسرائيل أنها تمتلك القدرة على توجيه ضربات عسكرية واسعة جداً، لكنها لم تتمكن بعد من الربط بين هذه القوة العسكرية ونصر سياسي مستدام. وطالما بقيت هذه الفجوة، فإن نهاية أي حرب يمكن أن تكون بداية الأزمة التالية.

/انتهى/

رمز الخبر 1974498

سمات

تعليقك

You are replying to: .
  • captcha